محمد حسين الذهبي
256
التفسير والمفسرون
فقوم تشددوا في ذلك فلم يجرءوا على تفسير شئ من القرآن ، ولم يبيحوه لغيرهم ، وقالوا : لا يجوز لأحد تفسير شئ من القرآن وإن كان عالما أديبا متسعا في معرفة الأدلة ، والفقه ، والنحو ، والأخبار ، والآثار ، وإنما له أن ينتهى إلى ما روى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة رضى اللّه عنهم ، أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين « 1 » . وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك ، فلم يروا بأسا من أن يفسروا القرآن باجتهادهم ، ورأوا أن من كان ذا أدب وسيع فموسع له أن يفسر القرآن برأيه واجتهاده . والفريقان على طرفي نقيض فيما يبدو ، وكل يعزز رأيه ويقويه بالأدلة والبراهين . أما الفريق الأول - فريق المانعين - فقد استدلوا بما يأتي : أولا : قالوا : إن التفسير بالرأي قول على اللّه بغير علم ، والقول على اللّه بغير علم منهى عنه ، فالتفسير بالرأي منهى عنه ، دليل الصغرى : أن المفسر بالرأي ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد اللّه تعالى ، ولا يمكنه أن يقطع بما يقول ، وغاية الأمر أنه يقول بالظن ، والقول بالظن قول على اللّه بغير علم . ودليل الكبرى : قوله تعالى : « وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » وهو معطوف على ما قبله من المحرمات في قوله تعالى في الآية ( 23 ) من سورة الأعراف : « قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ . . . الآية » ، وقوله تعالى في الآية ( 36 ) من سورة الإسراء : « وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » .
--> ( 1 ) مقدمة التفسير للراغب الأصفهاني ، الملحقة بآخر تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار ص 422 - 423 .